محمد جمال الدين القاسمي

84

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والدعاء : الحمد للّه كافي من توكل عليه . وإذا كان ( كفى به وكيلا ) فهذا مختص به سبحانه ليس غيره من الموجودات ( كفى به وكيلا ) فإن من يتخذ وكيلا من المخلوقين غايته أن يفعل بعض الأمور ، وهو لا يفعلها إلّا بإعانة اللّه ، وهو عاجز عن أكثر المطالب . فإذا كان سبحانه وصف نفسه بأنه ( كفى به وكيلا ) علم أنه يفعل بالمتوكل عليه ما لا يحتاج معه إلى غيره من جلب المنافع ودفع المضار . إذ لو بقي شيء لم يكن ( كفى به وكيلا ) وهذا نقيض قول من ظنّ أنّ المتوكل عليه لا يحصل له بتوكله جلب منفعة ولا دفع مضرة ، بل يجري عليه من القضاء ما كان يجري لو لم يتوكل عليه . والذين ظنوا ، أصل شبهتهم أنهم لما أثبتوا أن اللّه إذا قضى شيئا فلا بد أن يكون ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأن ما سبق علمه فهو كائن لا محالة - صاروا يظنون ما يوجد بسبب يوجد بدونه ، وما يوجد مع عدم المانع يوجد مع المانع . وهذا غلط عظيم ضلّ فيه طوائف : طائفة قالت : لا حاجة إلى الأعمال المأمور بها . بل من خلق للجنة فهو يدخلها وإن لم يؤمن . ومن خلق للنار فهو يدخلها وإن آمن ولم يكفر . وهذه الشبهة سئل عنها النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » لما قال : ما منكم من أحد إلّا وقد علم مقعده من الجنة والنار قالوا : أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب ؟ فقال : لا ! اعملوا ، فكلّ ميسّر لما خلق له . أما من كان من أهل السعادة فسييسّر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاء فسييسّر لعمل أهل الشقاء . وهذا المعنى قد ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في ( الصحيح ) في مواضع تبيّن أنّ ما سبق به الكتاب سبق بالأسباب التي تقضي إليه ، فالسعادة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما يصير به سعيدا ، والشقاوة سبقت بأن صاحبها يستعمل فيما يصير به شقيّا . فالقدر تضمن الغاية وسببها . لم يتضمن غاية بلا سبب . كما تضمن أن هذا يولد له بأن يتزوج ويطأ المرأة ، وهذا تنبت أرضه بأن يزرع ويسقي الزرع . وأمثال ذلك . وكذلك في ( السنن ) « 2 » أنه قيل له : يا رسول اللّه ! أرأيت أدوية نتداوى بها ، ورقيّ نسترقي بها ، وتقاة نتقيها ، هل تردّ من قدر اللّه شيئا ؟ فقال : « هي من قدر

--> ( 1 ) الحديث أخرجه البخاري في : التفسير ، 92 - سورة الليل ، 7 - باب فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ، حديث 718 ونصه : عن عليّ رضي اللّه عنه قال : كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في جنازة . فأخذ شيئا فجعل ينكت به الأرض . فقال « ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة » قالوا : يا رسول الله ! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ؟ قال « اعملوا فكل ميسر لما خلق له . أما من كان من أهل السعادة ، فييسّر لعمل أهل السعادة . وأما من كان من أهل الشقاء ، فييسّر لعمل أهل الشقاوة . ثم قرأ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى . . . الآية . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في : الطب ، 1 - باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ، حديث 3437 .